فمن طرق إعجازه العلمية(4) أنه دعا للنظر والاستدلال. قال في الشفاء :" ومنها جمعه لعلوم ومعارف ، لم تعهد للعرب ، ولا يحيط بها أحد من علماء الأمم، ولا يشتمل عليها كتاب ، من كتبهم ، فجمع فيه من بيان علم الشرائع ، والتنبيه على طرق الحجة العقلية ، والرد على فرق الأمم ، ببراهين قوية ، وأدلة كقوله{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}(الأنبياء:22).وقوله{ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} (يس:81) .ولقد فتح الأعين إلى فضائل العلوم ، بأن شبه العلم بالنور ، وبالحياة ، كقوله:{ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا}(يس:70).وقوله :{يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} (البقرة:257).وقال:{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ }(العنكبوت:43).وقال:{هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } (الزمر: 9)وهذا النوع من الإعجاز هو الذي خالف به القرآن ، أساليب الشعر ، وأغراضه مخالفة واضحة.هذا والشاطبي قال في الموافقات : (إن القرآن لا تحمل معانيه ، ولا يتأول إلا على ما هو متعارف عند العرب). ولعل هذا الكلام صدر منه في التَّفَصي(5)َّ من مشكلات في مطاعن الملحدين ، اقتصاداً في البحث ، وإبقاءً على نفيس الوقت ، وإلا فكيف ينفي إعجاز القرآن ، لأهل كل العصور ، وكيف يقصر إدراك إعجازه بعد العصر العربي ، على الاستدلال بعجز أهل زمانه ، إذ عجزوا عن معارضته .وإذ نحن نسلم لهم بالتفوق في البلاغة والفصاحة ، فهذا إعجاز إقناعي ، بعجز أهل عصر واحد ، ولا يفيد أهل كل عصر ، إدراك طائفة منهم لإعجاز القرآن .